الشيخ محمد مهدي الآصفي

23

في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )

رأي الإسلام في الحياة ، فإنّ هذه العينة الصغيرة ، والرقعة المحدودة من الأرض ، تجسد تخطيط الإسلام لساحة الحياة الواسعة . فإنّ ( العلاقة ) فيما بين الناس ، والارتباط ، والتلاقي ، هو الإفراز الطبيعي للحياة الاجتماعية ، فمن أجل هذه ( العلاقة ) و ( اللقاء ) و ( التلاقي ) خلق الله تعالى الإنسان اجتماعياً ، وأعدّه للحياة الاجتماعية ، ولا يبلغ الإنسان الكمال والنضج الذي أعدّه الله تعالى له إلّا في وسط هذه العلاقات واللقاءات ، في الحياة الاجتماعية ؛ فلو أنّ إنساناً اعتزل الناس ، وعاش وحده في جزيرة قاصية في البحر ، لم يبلغ بالتأكيد النضج والكمال الذي أعده الله تعالى له ، وهذه اللقاءات والعلاقات إنما تثمر ، وتعطي ، وتنتج في حياة الإنسان ، فيما إذا توفر له الجوّ السليم بالأمن والسلام ؛ أمّا عندما تتكوّن هذه العلاقة في جوّ من الريبة ، والحذر ، والخوف ، والقلق ، والعدوان ، والكيد ، والمكر ، فإنّ هذه العلاقة والارتباط فيما بين الناس لا تكاد تثمر هذه الثمرة ، ولا تكاد تبلغ بالإنسان النضج والكمال الذي يطلبه الإنسان في الحياة الاجتماعية من خلال هذه العلاقات ، بل قد تعود العلاقة في مثل هذا الجوّ إلى نتائج سلبية في حياة الإنسان ، وهو كثير . فالإسلام يخطط بناءاً على هذا الفهم ، لإقامة شبكة العلاقات فيما بين الناس ، وتنظيمها ، وتهذيبها ، وتحديدها بالحدود الإلهية الآمنة في حياة الناس ، ليجعل العلاقة فيما بين الناس في الحياة الاجتماعية في جوّ آمن وسليم ، فيأمن الإنسان الآخرين على نفسه في حضوره ، وغيبته ، وفي نفسه ، وعرضه ، وماله ، كما يأمنه الآخرون على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم في الحضور والغياب ، ويعيش في جوّ من الأمن الشامل ، ويبني علاقاته كلها مع الآخرين في هذا الجوّ الآمن ، في السّراء والضّراء ، وفي التجارة والبيع ، وفي الزواج والعلاقات الاجتماعية ، وفي علاقاته مع أصدقائه وزملائه ، وفي علاقاته مع أعضاء أسرته ، وفي ارتباطه بمن هو فوقه ومن هو دونه ، وحينما يأخذ